أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
56
شرح مقامات الحريري
المقامة الثانية وهي الحلوانيّة حكى الحارث بن همام قال : كلفت مذ ميطت عنّي التّمائم ، ونيطت بي العمائم ، بأن أغشى معان الأدب ، وأنضي إليه ركاب الطّلب لأعلق منه بما يكون لي زينة بين الأنام ، ومزنة عند الأوام ، وكنت لفرط اللّهج ، باقتباسه ، والطّمع في تقمّص لباسه ، أباحث كلّ من جلّ وقلّ ، وأستسقي الوبل الطّلّ ، وأتعلّل بعسى ولعلّ . * * * كلفت ، أي اشتد حبي ، والكلف : شدة الحبّ والمبالغة فيه ، فلان كلف بفلان ، أي مبالغ في محبّته ، وميطت وأميطت : أزيلت . التمائم : الأحراز نيطت : علّقت ، وإذا بلغ الصبيّ الحلم عند العرب أزلوا الأحراز عن عنقه ، وألبس العمامة والإزار ، وقلّد السيف ، فأراد : أحببت مذ بلغت الحلم مجالس الأدباء . أغشى : أقصد وأدخل . المعان : المنزل . أبو عبيد ، يقال : البصرة معان منّا ، أي منزل منا ، قال المعري : [ الوافر ] * معان من أحبّتنا معان « 1 » * فالأول اسم موضع معلوم جنّس به ، وجعله منزل أحبابه ، وقال بعضهم : سمي معانا لمعاينة الناس فيه بعضهم بعضا ، أو لأن فيه أعيانا ، أنضي : أهزل الركاب : الإبل ، وجعل للطلب إبلا مجازا ، وإنما يريد : أتعبت نفسي فرحلت إلى طلبه على الإبل ، لأعلق منه : لأحصل منه على فائدة أتعلق بها ، الأنام : الخلق مزنة : سحابة . الأوام : شدّة العطش ؛ يريد أنه يتعب نفسه في طلب الأدب ليتزيّن به بين الناس ؛ ويعيش به إذا احتاج إليه ، فرط اللهج : شدّة الحب ، يقال : قد لهج بالشيء ، إذا أكثر الحديث به لحبه فيه ، وحرصه عليه ، ولهج الفصيل بالرّضاع ، إذا لجّ فيه . اقتباسه : اكتسابه ، التقمص : لبس
--> ( 1 ) عجزه : تجيب الصاهلات به القيان والبيت في سقط الزند ص 172 .